ابن المقفع

215

آثار ابن المقفع

الحمار فأتاه وسلم عليه وقال له : ما لي أراك مهزولا ؟ قال : لسوء تدبير صاحبي ، فإنه لا يزال يجيع بطني ويثقل ظهري ، وما تجتمع هاتان الحالتان على جسم إلا أنحلتاه « 1 » وأسقمتاه . فقال له : كيف ترضى المقام معه على هذا ؟ قال : ما لي حيلة للهرب منه فلست أتوجه إلى جهة الا اضرّ بي إنسان فكدني وأجاعني . قال ابن آوى : فأنا أدلك على مكان معزول عن الناس لا يمر به إنسان ، خصيب المرعى فيه عانة « 2 » من الحمر « 3 » ترعى آمنة مطمئنة . قال الحمار : وما يحبسنا عنها فانطلق بنا إليها . فانطلق به نحو الأسد وتقدم ابن آوى ودخل الغابة على الأسد فأخبره بمكان الحمار . فخرج اليه وأراد ان يثب عليه فلم يستطع لضعفه وتخلص الحمار منه فأفلت هلعا « 4 » على وجهه . فلما رأى ابن آوى ان الأسد لم يقدر على الحمار قال له : يا سيد السباع أعجزت إلى هذه الغاية « 5 » ؟ فقال له : إن جئتني به مرة أخرى فلن ينجو مني أبدا « 6 » . فمضى ابن آوى إلى الحمار فقال له : ما الذي جرى عليك ؟ إن أحد الحمر رآك غريبا فخرج يتلقاك مرحبا بك ، ولو ثبت لآنسك ومضى بك إلى أصحابه . فلما سمع الحمار ذلك ، ولم يكن رأى أسدا قط صدق ما قاله ابن آوى وأخذ طريقه إلى الأسد . فسبقه ابن آوى إلى الأسد وأعلمه بمكانه وقال له : استعد له فقد خدعته لك فلا يدركنك

--> ( 1 ) انحلتاه : هزلتاه . ( 2 ) عانة : جماعة من الحمير . ( 3 ) الحمر : جمع حمير . ( 4 ) هلعا : خائفا جدا . ( 5 ) الغاية : بمعنى الحد وهنا بمعنى المقصد . ( 6 ) ابدا : ظرف للفعل المصروف للاستقبال ، وقط للماضي .